لعنات القرن الحادى والعشرين السحر الأسود والعين الشريرة فى العصر الرقمى



لعنات القرن الحادى والعشرين السحر الأسود والعين الشريرة فى العصر الرقمى 



فى عصر الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعى، شهدنا عودة قوية لإنتشار الاعتقاد باللعنات والسحر، خاصة ما يعرف بـ ( العين الشريرة ، Evil Eye)، حيث تنتقل التعاويذ عبر المنصات الرقمية كما انتقلت قديما عبر الطلاسم والطقوس ، و هنا سوف نستكشف الجذور التاريخية والأسطورية لهذه المعتقدات، ونحلل أسباب بقائها وتأثيرها النفسى حتى عصرنا هذا ..

على مر العصور ، فى مصر القديمة .. اعتقد المصريون أن عين حورس (Udjat) تمنح الحماية من القوى الشريرة، بينما العيون الحاسدة تمثل تهديدا ، كما كانوا يرسمون العيون على مقدمات السفن لدرء الأخطار .

وفى بلاد الرافدين .. أيضا ، حيث نجد فى نصوص السومريين والبابليين إشارات إلى العين الشريرة، التى تمثلت فى قوة خارقة تنبعث منها نظرة الحسد.

وعن الإغريق والرومان ..

فقد ذكر( بلينيوس) الأكبر فى كتابه (التاريخ الطبيعى) أن بعض الأشخاص لديهم قدرة على إلحاق الضرر بالأخرين من خلال نظراتهم، كما اعتقدوا أن التمائم (Amulets) مثل العين الزرقاء (Nazar) تحمى من الحسد ، كما ورد فى الكتاب المقدس إشارات إلى العين الشريرة فى سفر الأمثال (23:6): (لا تأكل طعام ذى عين شريرة) ، وكذلك فى العهد الجديد (مرقس 7:22) كأحد مصادر الشر . 

 ماذا عن الوحوش الأسطورية التى ارتبطت بالأسطورة ، والحضور الخفى ؟

- البازيليسق (Basilisk) وهو وحش أسطورى من أفريقيا، قيل إن نظراته قاتلة، وقد يموت إذا رأى انعكاسه فى المرآة .
- ميدوسا (Medusa) إحدى الغورغونات فى الأساطير الإغريقية، وقد كانت تحول من ينظر إليها إلى حجر .

كما نرى أن اللعنات لم توجد فى الأساطير فقط بل امتدت الى المعتقدات الشعبية العالمية مثل : 

أوروبا والجزر البريطانية حيث توجد الطقوس الوقائية وفى إسكتلندا، كان يقدم كوب حليب للغرباء الذين ينظرون إلى الماشية خوفا من الحسد، وفى إنجلترا، كان يعتقد أن دفن تسعة ضفادع حية يبطل سحر العين .

أيضا، فى البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط حيث تتواجد التمائم ، ولا تزال العين الزرقاء (Nazar) تستخدم فى تركيا واليونان ومصر كحماية من الحسد ، وفى إسبانيا فقد وثق عالم الجريمة (رافائيل ساليلاس) فى كتابه (السحر فى إسبانيا) (1905)، حيث كانت ممارسات إبطال السحر شائعة فى القرى.

ومن هنا نذهب إلى أفريقيا وآسيا لنرى ( فودو ، Voodoo):

 وهو نوع من السحر الأسود يرتفع الى مرتبه الدين فى غرب أفريقيا ومناطق الكاريبى، كما تعتبر لعنة الفودو نتاجا لتأثير الإيحاء الذاتى والخوف على النفوس الضعيفة، وفى الهند ، حيث تستخدم ( المانترا ، Mantras) و (التعاويذ ،Spells) لجلب الحظ أو التسبب بالضرر. 

ماذا عن التحليل النفسى والعلمى للعيون واللعنات ؟

نبدأ بتأثير ( النوسيبو ، Nocebo Effect) وهو عكس تأثير ( الدواء الوهمى ، Placebo)، حيث يؤدى التوقع السلبى إلى تفاقم الأعراض أو حدوث ضرر ، وهذا يفسر كيف يمكن للاعتقاد باللعنة أن يسبب أمراضا حقيقية أو سوء حظ، ويأتى دور ( التفكير السحرى، Magical Thinking) وهو ميل العقل البشرى لربط أحداث غير مرتبطة سببيا، مثل نسب سوء الحظ إلى لعنة بدلا من الصدفة، و هذا النمط من التفكير شائع فى حالات العجز وفقدان السيطرة، أيضا، (التحيز التأكيدى، Confirmation Bias) حيث يميل المؤمنون باللعنات إلى تذكر الأحداث التى تحققت فيها النبوءات وتجاهل التى لم تتحقق، مما يعزز إيمانهم بالخرافات، أيضاً ( التفريغ العاطفى Catharsis) له دورا مهما ، كما أشارت دراسة ( ستيفنز وروبرتسون) (2020) فإن استخدام الشتائم أو اللعنات يفرغ المشاعر السلبية ويقلل الألم النفسى.

و فى هذا الصدد يذهب باحثون، مثل خبيرى علم النفس المعرفى ، (كين درينكووتر) و(نيل داغنال) من جامعة (مانشستر)، إلى أبعد من ذلك، إذ يدرسون أسباب إيمان بعض الناس باللعنات على أنها رغبة فى فهم العالم أى إضفاء معنى على الفوضى مثلا ..

 لماذا يرى الناس أحيانا وجوه فى السحاب؟ السبب هو إيجاد أنماط ذات معنى فى الضوضاء الفارغة ،و فى حالة اللعنات قد يدفع هذا الناس إلى إيجاد روابط بين الأحداث العشوائية، ونسب الحظ السيئ عن طريق الخطأ، إلى تعويذة سحرية بدلا من عوامل مثل الصدفة والخطأ البشرى ، ومن منظور علمى فأن اللعنات لها تفسيرات منطقية ، فهى توضح لماذا ينسب الناس مباشرة قوى خارقة للطبيعة إلى الأحداث السلبية .

وهنا نصل إلى موقف الأديان من السحر والعين الشريرة ..

أولا : الإسلام الذى حرم السحر وأعتبره من الكبائر (سورة البقرة 102)، كما يقر الإسلام بوجود العين والحسد، ويوصى بالرقية الشرعية والأذكار (مثل قراءة المعوذات) للوقاية .

ثانيا : المسيحية ، أيضاً حرم الكتاب المقدس ممارسة السحر (سفر التثنية 18:10-12) ، كما انه يذكر العين الشريرة كرمز للشر (إنجيل متى 6:23)، و يشجع على الإيمان بالله كحماية .
ثالثا : اليهودية ، حيث يحرم التوراة السحر (سفر اللاويين 19:26) و تستخدم التمائم مثل الكميعاه (Hamsa) فى التراث اليهودى كرمز للحماية .
رابعا : الأديان الشرقية ، فى الهندوسية يعتبر الحسد نتيجة الكارما، ويستخدم اليانترا كتعويذة للحماية ، فى البوذية، تعتبر النوايا الشريرة عقبة فى طريق التنوير .

وبناءا على تاريخها الطويل فقد إستمرت الأسطورة حتى أمتدت اللعنات إلى عصر الإنترنت ، ومع انتشار منصات التواصل الاجتماعى، تحولت اللعنات إلى ظاهرة رقمية تتمثل فى :

- اللعنات المنتشرة وتنتقل عبر الرسائل أو المنشورات، مثل لعنة (المرأة الباكية) أو (مومياء الفيسبوك)
- السحر الإلكترونى ، حيث يقدم بعض (السحرة) خدمات عبر الإنترنت لصنع أو إبطال اللعنات ! 

وللأسف ، يزداد التأثير النفسى لهذه الظواهر بسبب سرعة الانتشار وقدرتها على استغلال الخوف البشرى . 

وبعد أنتهاء رحلتنا من عيون ميدوسا المتحجرة إلى شاشات الهواتف الذكية، تظل العين الشريرة رمزا أبديا لخوف الإنسان من المجهول وفى كل عصر، يخلق البشر طقوسا جديدة لمواجهة القوى الخفية التى يدركونها لكنهم لا يفهمونها ، إن اللعنات ليست مجرد خرافات فقط ، بل هى انعكاس للصراعات ومحاولة لفرض نظام على فوضى الوجود وكما قال( كارل يونغ) .. "ما ننكره فى العالم الخارجى نصنعه فى داخله ".

ربما تكون العين الشريرة فى جوهرها مجرد انعكاس لعيون البشر الحاقدة أحيانا والخائفة دائما ولكنها قادرة أيضا على رؤية النور وسط الظلام .


المصدر

الأكثر قراءة